أبي بكر جابر الجزائري

349

ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير

بطلت وضاعت لفقدها الإخلاص فيها لله تعالى وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ لا يخرجون منها متى دخولها أبدا ، إذ ليس لهم من العمل ما يشفع لهم بالخروج منها . ثم قرر تعالى الحقيقة وهي أن الذين يعمرون « 1 » مساجد اللّه حقا وصدقا هم المؤمنون الموحدون الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويخشون اللّه تعالى ولا يخشون سواه هؤلاء هم الجديرون بعمارة المساجد بالصلاة والذكر والتعلم للعلم الشرعي فيها زيادة على بنائها وتطهيرها وصيانتها هؤلاء جديرون بالهداية لكل كمال وخير يشهد لهذا قوله تعالى فَعَسى « 2 » أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ إلى ما هو الحق والصواب ، وإلى سبيل النجاة من النار والفوز بالجنة . هداية الآيتين من هداية الآيتين : 1 - حرمة دخول الكافر المساجد إلا لحاجة وبإذن من المسلمين . 2 - فضيلة عمارة المساجد بالعبادة فيها وتطهيرها وصيانتها . 3 - فضيلة المسلم وشرفه ، إذ كل من يسأل عن دينه يجيب بجواب هو الكفر إلا المسلم فإنه يقول : مسلم أي لله تعالى فهو إذا المؤمن وغيره الكافر . 4 - وجوب الإيمان باللّه واليوم الآخر وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والخشية « 3 » من اللّه تعالى . 5 - أهل الأمن والنجاة من النار هم أصحاب الصفات الأربع المذكورة في الآية . [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 19 إلى 22 ] أَ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 19 ) الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ ( 20 ) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ ( 21 ) خالِدِينَ فِيها أَبَداً إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ( 22 )

--> ( 1 ) وردت أحاديث في فضل عمارة المساجد منها القوي ومنها الضعيف مجموعها يدل على المراد منها وهو حسن الظن بمن يعمر مساجد اللّه وأظهر حديث إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان . ( 2 ) قالت العلماء : « عسى من اللّه واجبة أي : ما يرجى بها واجب الوقوع ، وقيل : هي هنا بمعنى : خليق أي : فخليق أن يكونوا من المهتدين . ( 3 ) تساءل البعض وقالوا : قوله تعالى : وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ دال على أن المؤمن الكامل الإيمان لا يخشى إلا اللّه وإذا بالواقع أن الأنبياء يخشون الأعداء فضلا عن غيرهم فقال بعضهم معناه : أنهم لا يخشون إلا اللّه مما يعبد ، وقال بعضهم : أي لم يخف إلا اللّه في باب الدين . والجواب الصحيح أنّ الإنسان نبيا كان أو غيره من المؤمنين العاملين لا يخشون إلا اللّه تعالى فإذا خافوا عدوا ، ليس معناه أنهم خافوه لذاته وإنما خافوا من اللّه أن يكون سلطة عليهم فخوفهم عائد في الحقيقة إلى اللّه تعالى فهو الذي بيده الأمر ، والخوف منه لا من غيره .